الشيخ محمد رضا مهدوي كني

25

البداية في الأخلاق العملية

إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً « 1 » . بكلمة ، الغرائز ومهما كانت عنيفة وقوية ، إلّا انها لا تعد شيئا أمام إرادة الانسان واختياره ، فهو بامكانه التصدي لهوى النفس وتوجيه الغرائز كما ينبغي ، شريطة ان تتوفر لديه الإرادة والعزم . اذن لا شك في انّ النفس الأمارة تضغط على الانسان وتدفعه لممارسة بعض الأعمال القبيحة . وقد نقل القرآن الكريم عن لسان النبي يوسف عليه السّلام قوله : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي « 2 » . وقال علي عليه السّلام في ذلك أيضا : « ان النفس لأمارة بالسوء والفحشاء فمن ائتمنها خانته ، ومن استنام إليها أهلكته ، ومن رضي عنها أوردته شرّ الموارد » « 3 » . ورغم هذا كله ، يجب ان لا نتجاهل ما لدى الانسان من إرادة واختيار وقابلية على الانتخاب . فالقرآن الكريم إذا كان قد وصف النفس بالامارة بالسوء ، فإنه قد وصفها في موضع آخر ب « اللوامة » : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ « 4 » . كما عبّر عنها في موضع آخر ب « النفس المطمئنة » : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً « 5 » . وفي هذه المرحلة - اي مرحلة الاطمئنان - يتم ترويض الغرائز الجامحة واخضاعها لإرادة الانسان واختياره ، وهذا دليل على أن الانسان إذا أراد فبامكانه السيطرة على زمام نفسه ، بل إن ما يميّز الانسان بشكل عام هو قدرته على الانتخاب . كما أن الثواب والعقاب ، والمدح ، والذم ، أمور تدلّ أساسا على

--> ( 1 ) الدهر / 3 . ( 2 ) يوسف ، الآية 53 . ( 3 ) فهرست الغرر ، ص 391 ، رقم 3491 . ( 4 ) القيامة ، الآيتان 1 و 2 . ( 5 ) الفجر ، الآيتان 27 و 28 .